خواطر أم

خواطر أم

خواطر أم – آلان تورجمان

أنا والدة لطفل توفي. المغزى الحقيقي من هذه الحقيقة هو أنه استغرقني وقتا طويلا لتقبل الواقع في نهاية المطاف. قبول الحقيقة. أنت لا تتغلبين على فقدان طفل. أنت لا تستبدلينه. الحزن العميق سيظهر بصورة غير متوقعة. كلما مر الوقت ستخف حدة الأمر لكن الحزن لا يزال عميقا. ككل العناصر التي تكوّن حياة كل واحد منا، موت طفل هو أمر تجعلينه في نهاية الأمر جزء منك. بدلا من الاستيقاظ في صباح ما والاكتشاف أنك تعافيت من حزنك، ستتعلمين العيش معه.

ليست هنالك طريقة سهلة لفقدان طفل. ليست هنالك أمراض أو احداث تُعتبر أفضل من ذلك، وليس هنالك جيل او نقطة زمنية بإمكانها تغيير شيء. بالرغم من الأهل الذين يفقدون طفلا قد يتعاطفون أحيانًا مع الآخرين ويقولون أمور مثل “حسن أنه لم يحصل لي أمرًا كهذا”، عادة القصد يكون “حسن أنه لم يحصل لي أمرًا كهذا بالإضافة لما حصل لي”. كلما مر الوقت، نشعر بصلة لكل شخص فقد طفلا ونملك شعورا قويًا بأن موت طفل هو الأمر الأكثر صعوبة. جميعنا نؤمن أنه ليس من المفروض أن يعيش الأهل حياة أطول من حياة أولادهم.

أنا شخص مختلف عن تلك المرأة الشابة التي كانت حين توفي طفلي. لا أشعر أن الموت قد غيرني تغييرًا جذريًا، لكنني أجل تغيرت. حين أنظر في المرآة، أرى التجاعيد الجديدة والكثيرة التي ظهرت على وجهي، غزارة الشعر الأبيض والوزن الذي ازداد إلى جسمي. أجد صعوبة أحيانا بتذكر تلك المرأة الشابة التي كانت أما لطفلين – طفلة في الرابعة وطفل يبلغ تقريبا 6 أشهر. كنت شخصًا قادرًا على الشعور بالامتعاض حين كان الجميع عصبيًا وجائعًا، وكان النوم بالنسبة له أمرًا بعيدًا، شخص احتفل أيضًا بأفراح وتجارب الأمومة. مع تلك الأيام اختلطت أيضًا أفراح وضغوطات الحياة اليومية – افتتح زوجي محلا جديدًا وحاولت أنا العثور على مكان عمل. كانت هذه فترة جيدة، مليئة بكل الأفراح والخلافات الصغيرة التي هي جزء من الحياة.

وفي لحظة واحدة اشتعل الجحيم. كل شيء تغير، وكأن قنبلة نووية سقطت على حياتنا. تغير صباح أحد أيام الصيف المشمسة حين رفعت جثة ابننا الصغير – بدون حياة، صلبة ومشوهة، تغير هذا الصباح بنفس السرعة التي توفي فيها. جزء من الجحيم كان أن موته لم يكن متوقعًا. جزء من الجحيم كان أن السنة كانت 1987، وبعد سنوات عديدة من الدراسة والبحث لم يتوصل العلم والطب بعد إلى استنتاج بالنسبة لعامل الموت ولم ينجحوا بالعثور على دواء لـ SIDS، ظاهرة تقتل آلاف الأطفال في أنحاء العالم. معظم الجحيم كان ببساطة بسبب موته وبسبب كل الأمور الأخرى التي حدثت في أعقاب موته.

أنا ممتنة للغموض والتشوش الذي أصابني منذ تلك اللحظة الرهيبة – محاولاتي ومحاولة زوجي بإنعاش الجثة الصغيرة جدًا، رفضي لحقيقة موته. بعد لحظة الاكتشاف، لم أتمكن من لمسه، غضبت غضبًا شديدًا وأنكرت حقيقة كون هذه الجثة الصغيرة والباردة، كانت ستحمل شخصية ابننا. القرار ماذا علينا أن نفعل بابنتنا التي تبلغ 4 سنوات، المريضة والتي تعاني من حرارة مرتفعة وخائفة من التحرك من سريرها لكنها مدركة لأن أمرًا ما غير صحيح، صراخي القوي النابع من داخلي، الارتباك حول وصول سيارة الإسعاف وقلق جيراننا – كل ما خطر ببالي في تلك اللحظة هو كيف سأتمكن شرح هذا لابنتي، بأن اخيها لن يكون موجودًا هنا بعد.

أنا غير قادرة على فهم هذا بنفسي. الاتصالات التي كان يجب علينا إجراءها لأفراد العائلة في ارجاء البلاد وخارجها. بعد ساعتين من العثور على ابننا ميتًا كنا في طريقنا إلى المقبرة. أذكر زوجي يضحك ويقول لي: “هذه يجب أن تكون نكتة سخيفة أو حلمًا، أنا ببساطة لا أصدق أن هذا يحصل”.

عدنا للبيت قبل الظهر وكانت هذه بداية أيام الحداد. طيلة الأيام السبعة هذه كنت أعيش بضباب، في حين أصدقاؤنا، جيراننا وأفراد العائلة أتوا ليكونوا معنا – العديد منهم لم يعرفوا ما عليهم قوله أو كيفية التعبير عن ما يشعرون به. أنا لا أعلم حقا كيف ضحكت وتحدثت عن أمور تافهة. أنا أعلم ببساطة أنني لم أتواجد هناك. أديت دوري بدقة وكأنني كنت قد تدربت كثيرًا على النص، لكن العرض كان غير واقعيًا، وتمّ للتخفيف عن ألم الآخرين، لكنني أديته لأن الأمر لم يحدث ولأنني سأستيقظ في اليوم التالي مع طفلين، وأفكر فقط بالكابوس وكأنني أحلم.

الوخز الأول من الواقع ظهرت في اليوم التالي من انتهاء أيام الحداد، وقد بدأت مع وصول عاصفة، ومع حقيقة أن ابني في الخارج تحت المطر، ينام في قبر صغير بين أطفال آخرين. قبل ذلك لم أترك أي من أطفالي تحت المطر، والخوف من هذا الواقع كان واقعًا بحد ذاته. الالتباس والتشوش كان راحة بحد ذاته. الواقع كان رعبًا تامًا.

هنالك عدم راحة وصعوبة بالنظر إلى الوراء وتذكر الأيام اللانهائية التي تلت فترة الحداد. الاستياء والقلق ينبعان من الرغبة البشرية بتشخيص هشاشة وضعف الآخرين لكن ليس ضعفنا نحن. هذه الأيام مرت بصعوبة، بحيث قمنا فقط بأداء النشاطات اليومية الضرورية.

موت كلبتنا تانيا بشكل مفاجئ والتي كانت قد سممت من قبل صيادي البلدية، حصل بضعة أسابيع فقد بعد موت طفلنا. حقيقة كونها جزء من العائلة لفترة أطول من ابني جعلتني أفكر بأننا أصبحنا سجناء مصير غريب بحيث أن كل أفراد عائلتي سيموتون. في بيتنا أقوم بفحص كل أفراد العائلة أثناء نومهم وكأننا في غرفة العناية المركزة واشعر بأنني مسؤولة عن قدرتهم على التنفس.

كأم لا تعمل اضطررت على مواجهة ساعات صباح طويلة وهادئة في البيت. الفراغ تغلب علي. حين أنظر إلى الوراء، كلمة واحدة تصف ها الأمر بأفضل شكل – وحدة. مهما كان النشاط الذي قمت به أو كمية الناس الذين كانوا حولي، كانت هذه فترة وحدة وفراغ والتي أخلت بنا وبشعورنا بالحياة.  أحب أن أفكر بأننا قمنا بعمل جيد حين أخفينا مشاعرنا، وحين ظهرنا نحو الخارج كمن يؤدي وظيفته بشكل اعتيادي. هذه كانت تماما المشاعر الموجودة تحت الغطاء الذي احتوى هذا الفراغ الكبير. في بدء الأمر أي ذكر للأوقات الجيدة التي كان هو جزءًا منها أدت إلى توقف الحديث تماما.

بالنسبة لابنتي الصغيرة تحولت للأم المثالية، مفرطة في الحماية وخانقة. كنت أخشى من السماح لها بالابتعاد عن نظري لفترة طويلة، لكنني خشيت أيضًا قبول مسؤولية رعايتها.  حاولت أن أكون رفيقتها الدائمة وصديقتها في اللعب حتى حين توسلت للذهاب للعب عند صديقاتها. استخدمتها لملء الفراغ الذي شعرت به. أنا أتعجب كيف تمكنا من اجتياز الأشهر الأولى.

حين انتهى فصل الشتاء وبدأ الربيع حضرت ملابس تنكرية لعيد “البوريم” لابنتي لكنني كنت منهمكة في التفكير بالملابس التنكرية التي لن تكون لابني الفرصة أن يرتديها. لم أتمكن ليلة الفصح من التوقف عن التفكير بأن ابني كان ممكن أن يكون بين ذراعي – أذرعي الفارغة.

أردت طفلا آخر لكن خفت من ذلك جدًا. لقد أثر الأمر على علاقتي مع زوجي بطرق مختلفة. تحدثنا، لكننا لم نكن نتحدث. تشاركنا، لكننا في الواقع لم نشارك أحدنا الآخر. كان هو أحيانا قويًا وعطوفًا وأحيانا أخرى كان غاضبا وعديم الإحساس. حياتنا الجنسية تضررت – الرقة والحاجة ممكن أن تضيع كلها عند وجود خوف من الحمل وخوف من عدم القدرة على أن تكون والدًا جيدًا، وعند وجود الخوف بشكل عام.

لدهشتي حملت، وتماما حين كنت في مراحل التغلب على الأفكار إذا كنت الاستمرار بالحمل أجهضت، وكان هذا صعبًا للغاية. الألم كان حقيقيًا وكأنني فقدت طفلا آخر. الشهر التي تلت كانت معقمة مثل عدم قدرتي على الحمل مرة أخرى.

متى سيبدأ الشعور بالتحسن؟ المعالم الرئيسية غير موجودة إلى أن تتمكن من الابتعاد ما يكفي لتبدأ بالنظر إليها من الوراء. المعالم الرئيسية هي عمليًا كل الأحداث التي تكون جاهزًا لها – وبالنسبة لي كانت هذه الدافع للمقاومة.

بحثت عن مجموعة دعم لأهل مثلنا وبما أنني لم أجد واحدة كذلك، أقمت واحدة. بعد أن نشرت عن ذلك في الصحيفة وجدت نفسي أتحدث مع عدد كبير من الأهالي. بالنسبة لكل منا كانت هذه المرة الأولى التي بها تحدثنا حقا مع شخص “مثلنا”. إطلاق مشاعر كثيرة جدًا كانت محبوسة داخلا يمكن وصفه كأمر مبهج. كان هذا مزيجًا غريبًا – سماع أشخاص آخرين يقولون ما أنا شعرت به، وأن أشعر معهم. حين التقينا في نهاية الأمر كمجموعة شعرنا بلقاء جديد لأصدقاء قدامى – لم نشعر غرباء.

المشاركة والاختلاط مع أهل آخرين كانت بمثابة بداية طريق بحد ذاتها. الأقرباء والأصدقاء والأخصائيون دعموا فكرة إنشاء المجموعة. جميعنا نجد حلولا للتعامل مع أعظم آلامنا، كل شخص بطريقته وليست هنالك طريق صحيحة أو غير صحيحة، بل هنالك طرق مختلفة.

الحزن أناني جدًا. اشعر أحيانا بعصبية تجاه أيام الوحدة التي ربما لم تكن ضرورية، والتي ربما لم تكن لو علمت فقط الحقيقة البسيطة – كان يجب ألا أكون وحيدة.

أنا أكتب هذه الأمور يومين قبل اليوم الذي كان يجب أن يكون عيد ميلاد ابني الأول، ومرة أخرى لا أستطيع التوقف عن التفكير بالحفلة التي لا أخطط لها والكعكة التي لا أقوم بخبزها وأيضًا على المستقبل الذي كان سيكون له. أعلم أن أمامي طريق طويل، لكنني لست لوحدي لأنني أنا أيضًا أم لطفل توفي.

תגובות

אין תגובות עדיין

השאר תגובה

האימייל לא יוצג באתר. (*) שדות חובה מסומנים